ابن الجوزي
276
صفة الصفوة
فقالت : يا أبا عبد الرحمن كلمة من هذه ، وكلمة من هذه ، وقد ذهب الصيام قال : فالتفت إليّ ابن أبي رفاعة فقال : أترى هذه سمعت من مالك بن أنس شيئا ؟ يعني أن اللّه تعالى هو الذي بصّرها . ومن المصطفين من أهل أبلة 857 - أبو صخر يزيد بن أبي سمية الأبلي محمد بن عمر قال : كان أبو صخر من العبّاد ، وكان يصلّي ليله أجمع ويبكي . وكانت معه في الدار امرأة يهودية ساكنة تبكي رحمة له ، فقال ليلة في دعائه : اللهم إنّ هذه اليهودية قد بكت رحمة لي ودينها مخالف لديني فأنت أولى برحمتي . وكان يوافي الموسم عام مع محمد بن المنذر وصفوان بن سليم ويزيد بن خصيفة وأبي حازم ، فيلقون عمر بن ذرّ فيقصّ عليهم ويذكّرهم أمر الآخرة . فلا يزالون كذلك حتى ينقضي الموسم ثم لا يلتقون بعد إلا في كل موسم ذكر المصطفين من أهل المغرب 858 - أبو عبد اللّه المغربي واسمه محمد بن إسماعيل إبراهيم بن شيبان قال : سمعت أبا عبد اللّه المغربي يقول : ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة . قال إبراهيم : وذلك أنه كان يتقدّمنا بالليل المظلم ونحن نتبعه وهو حاف حاسر ، وكان إذا عثر أحدنا يقول يمينا وشمالا ، ونحن لا نرى ما بين أيدينا ، فإذا أصبحنا نظرنا إلى رجله كأنها رجل عروس خرجت من خدرها . وكان يقعد لأصحابه يتكلّم عليهم فما رأيته انزعج إلا يوما واحدا : كنا على الطّور وهو قد استند إلى شجرة خرّوب « 1 » وهو يتكلم علينا . فقال في كلامه لا ينال العبد مراده حتى ينفرد فردا بفرد . فانزعج واضطرب ورأيت الصخور قد تدكدكت ، وبقي في ذلك ساعات فلما أفاق كأنه نشر من تبر .
--> ( 1 ) شجرة الخروب من الأشجار المشهورة يستعمل ثمرها في الطعام وعصير ثمرها في الشراب وهو حلو المذاق .